فصل: (حَيْثُ):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البرهان في علوم القرآن (نسخة منقحة)



.(ثم) المفتوحة:

ظرف للبعيد بمعنى قال تعالى: {وإذا رأيت ثم رأيت}.
وقرئ: {فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد}، أَيْ هُنَالِكَ اللَّهُ شَهِيدٌ بِدَلِيلِ: {هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لله الحق}.
وَقَالَ الطَّبَرِيُّ فِي قَوْلِهِ: {أَثُمَّ إِذَا مَا وقع آمنتم به} مَعْنَاهُ أَهُنَالِكَ، وَلَيْسَتْ ثُمَّ الْعَاطِفَةَ وَهَذَا وَهْمٌ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الْمَضْمُومَةُ بِالْمَفْتُوحَةِ.

.(حاشا):

اسم يأتي بمعنى التنزيه كقوله: {حاش لله} بِدَلِيلِ قَوْلِ بَعْضِهِمْ حَاشًا لِلَّهِ بِالتَّنْوِينِ كَمَا قيل: {براءة من الله} مِنْ كَذَا أَيْ حَاشًا لِلَّهِ بِالتَّنْوِينِ كَقَوْلِهِمْ رَعْيًا لِزَيْدٍ.
وَقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: {حَاشَا اللَّهِ} بِالْإِضَافَةِ فَهَذَا مِثْلُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَمَعَاذَ اللَّهِ.
وَقِيلَ: بِمَعْنَى جَانَبَ يُوسُفُ الْمَعْصِيَةَ لِأَجْلِ اللَّهِ وَهَذَا لَا يَتَأَتَّى فِي: {حَاشَ لِلَّهِ مَا هذا بشرا}.
قَالَ الْفَارِسِيُّ: وَهُوَ فَاعِلٌ مِنَ الْحَشَا الَّذِي هُوَ النَّاحِيَةُ أَيْ صَارَ فِي نَاحِيَةٍ أَيْ بَعُدَ مِمَّا رُمِيَ بِهِ وَتَنَحَّى عَنْهُ فَلَمْ يَغْشَهُ وَلَمْ يُلَابِسْهُ.
فَإِنْ قُلْتَ: إِذَا قُلْنَا بِاسْمِيَّةِ حَاشَا فَمَا وَجْهُ تَرْكِ التَّنْوِينِ فِي قِرَاءَةِ الْجَمَاعَةِ وَهِيَ غَيْرُ مُضَافَةٍ؟
قُلْتُ: قَالَ ابْنُ مَالِكٍ وَالْوَجْهُ أَنْ تَكُونَ حَاشَى الْمُشَبَّهَةَ بِحَاشَى الَّذِي هُوَ حَرْفٌ وَأَنَّهُ شَابَهَهُ لَفْظًا ومعنى فجرى مجراه في البناء.

.(حتى):

كـ: (إلى) لَكِنْ يَفْتَرِقَانِ فِي أَنَّ مَا بَعْدَ حَتَّى يَدْخُلَ فِي حُكْمِ مَا قَبْلَهَا قَطْعًا كَقَوْلِكَ قام القوم حتى زيد فـ: (زيد) هَاهُنَا دَخَلَ فِي الْقِيَامِ وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ فِي قَامَ الْقَوْمُ إِلَى زَيْدٍ وَلِهَذَا قَالَ سِيبَوَيْهِ إِنَّ حَتَّى تَجْرِي مَجْرَى الْوَاوِ وَثُمَّ فِي التَّشْرِيكِ.
وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى دُخُولِ مَا بَعْدَهَا فِيمَا قَبْلَهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ شَيْءٍ بِقَضَاءٍ وَقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ» وَقَوْلِهِ: «أُرِيتُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ».
وَقَالَ الْكَوَاشِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ حَتَّى تَخْتَصُّ بِالْغَايَةِ الْمَضْرُوبَةِ وَمِنْ ثَمَّ جَازَ أَكَلْتُ السَّمَكَةَ حَتَّى رَأَسِهَا وَامْتَنَعَ حَتَّى نصفها أو ثلثها وإلى عَامَّةٌ فِي كُلِّ غَايَةٍ انْتَهَى.
ثُمَّ الْغَايَةُ تَجِيءُ عَاطِفَةً وَهِيَ لِلْغَايَةِ كَيْفَ وَقَعَتْ إِمَّا فِي الشَّرَفِ كَجَاءَ الْقَوْمُ حَتَّى رَئِيسُهُمْ أَوِ الضعة نحو أسنت الْفِصَالُ حَتَّى الْقَرْعَى.
أَوْ تَكُونُ جُمْلَةً مِنَ الْقَوْلِ عَلَى حَالٍ هُوَ آخِرُ الْأَحْوَالِ الْمَفْرُوضَةِ أَوِ الْمُتَوَهَّمَةِ بِحَسْبِ ذَلِكَ الشَّأْنِ إِمَّا فِي الشدة نحو: {وزلزلوا حتى يقول} إِذَا أُرِيدَ حِكَايَةُ الْحَالِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ تُعْطَفِ الْجُمْلَةُ الْحَالِيَّةُ عَلَى الْجُمْلَةِ الْمَاضِيَّةِ فَإِنْ أُرِيدَ الِاسْتِقْبَالُ لَزِمَ النَّصْبُ.
وَإِمَّا فِي الرَّخَاءِ نَحْوُ شَرِبَتِ الْإِبِلُ حَتَّى يَجِيءَ الْبَعِيرُ يَجُرُّ بَطْنَهُ عَلَى الْحِكَايَةِ.
ولانتهاء الغاية نحو: {حتى مطلع الفجر} {حتى يبلغ الكتاب أجله}.
وَالتَّعْلِيلِ وَعَلَامَتُهَا أَنْ تَحْسُنَ فِي مَوْضِعِهَا كَيْ نَحْوُ حَتَّى تَغِيظَ ذَا الْحَسَدِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تعالى: {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين}.
ويحتملها: {حتى تفيء}.
وقوله: {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم}.
{هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عند رسول الله حتى ينفضوا}.
قِيلَ: وَلِلِاسْتِثْنَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أحد حتى يقولا} وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لِلْغَايَةِ.
وَحَرْفُ ابْتِدَاءٍ أَيْ تُبْتَدَأُ بِهِ الْجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ أَوِ الْفِعْلِيَّةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {حتى يقول الرسول} فِي قِرَاءَةِ نَافِعٍ.
وَكَذَا الدَّاخِلَةُ عَلَى إِذَا في نحو: {حتى إذا فشلتم} وَنَظَائِرِهِ وَالْجَوَابُ مَحْذُوفٌ.

.(حَيْثُ):

ظَرْفُ مَكَانٍ قَالَ الْأَخْفَشُ وَلِلزَّمَانِ وَهِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الضَّمِّ تَشْبِيهًا بِالْغَايَاتِ فَإِنَّ الْإِضَافَةَ إِلَى الْجُمْلَةِ كَلَا إِضَافَةٍ وَلِهَذَا قَالَ الزَّجَّاجُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ}: مَا بَعْدَ حَيْثُ صِلَةٌ لَهَا وَلَيْسَتْ بِمُضَافَةٍ إِلَيْهِ يُرِيدُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مُضَافَةً لِلْجُمْلَةِ بَعْدَهَا فَصَارَتْ كَالصِّلَةِ لَهَا أَيْ كَالزِّيَادَةِ.
وَفَهِمَ الْفَارِسِيُّ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهَا مَوْصُولَهٌ فَرَدَّ عَلَيْهِ.
وَمِنَ العرب من يعرب حيث قراءة بعضهم {من حيث لا يعلمون} بالكسر تحتملها وتحتمل الْبِنَاءِ عَلَى الْكَسْرِ وَقَدْ ذَكَرُوا الْوَجْهَيْنِ فِي قراءة: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} بِفَتْحِ الثَّاءِ.
وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا ظَرْفٌ لَا يَتَصَرَّفُ.
وَجَوَّزَ الْفَارِسِيُّ وَغَيْرُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ كَوْنَهَا مَفْعُولًا بِهِ عَلَى السَّعَةِ قَالُوا وَلَا تَكُونُ ظَرْفًا لِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يَكُونُ فِي مَكَانٍ أَعْلَمَ مِنْهُ فِي مَكَانٍ.
وَإِذَا كَانَتْ مَفْعُولًا لَمْ يَعْمَلْ فِيهَا أَعْلَمُ لِأَنَّ أَعْلَمَ لَا يَعْمَلُ فِي الْمَفْعُولِ بِهِ فَيُقَدَّرُ لَهَا فِعْلٌ.
وَاخْتَارَ الشَّيْخُ أَثِيرُ الدِّينِ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى ظَرْفِيَّتِهَا مَجَازًا وَفِيهِ نَظَرٌ.

.(دُونَ):

نَقِيضُ فَوْقَ.
وَلَهَا مَعَانٍ:
أَحَدُهَا: مِنْ ظُرُوفِ الْمَكَانِ الْمُبْهَمِ لِاحْتِمَالِهَا الْجِهَاتِ السِّتَّ.
وَقِيلَ: هِيَ ظَرْفٌ يَدُلُّ عَلَى السُّفْلِ فِي الْمَكَانِ أَوِ الْمَنْزِلَةِ كَقَوْلِكَ زَيْدٌ دُونَ عَمْرٍو.
وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: وَأَمَّا دُونَ فَتَقْصِيرٌ عَنِ الْغَايَةِ.
قَالَ الصَّفَّارُ: لَا يُرِيدُ الْغَايَةَ عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلِ الْغَايَةَ الَّتِي تَكُونُ بَعْدَهَا فَإِذَا قُلْتَ أَنَا دُونَكَ فِي الْعِلْمِ مَعْنَاهُ أَنَا مُقَصِّرٌ عَنْكَ وَهُوَ ظَرْفُ مَكَانٍ مُتَجَوَّزٌ فِيهِ أَيْ أَنَا فِي مَوْضِعٍ مِنَ الْعِلْمِ.
لَا يَبْلُغُ مَوْضِعَكَ وَنَظِيرُهُ فُلَانٌ فَوْقَكَ فِي الْعِلْمِ.
الثَّانِي: اسْمٌ نحو: {من دونه}.
الثَّالِثُ: صِفَةٌ، نَحْوُ: هَذَا الشَّيْءُ دُونَ أَيِّ رَدِيءٍ فَيَجْرِي بِوُجُوهِ الْإِعْرَابِ وَقَدْ تَكُونُ صِفَةً لَا بِمَعْنَى رَدِيءٍ وَلَكِنْ عَلَى مَعْنَاهُ مِنَ الظَّرْفِيَّةِ نَحْوَ رَأَيْتُ رَجُلًا دُونَكَ.
ثُمَّ قَدْ يُحْذَفُ هَذَا الْمَوْصُوفُ وَتُقَامُ الصِّفَةُ مَقَامَهُ وَحِينَئِذٍ فَلِلْعَرَبِ فِيهِ لُغَتَانِ أَحَدُهُمَا إِعْرَابُهَا كَإِعْرَابِ الْمَوْصُولِ وَجَرْيِهَا بِوُجُوهِ الْإِعْرَابِ وَالثَّانِيَةُ إِبْقَاؤُهَا عَلَى أَصْلِهَا من الظَّرْفِيَّةِ وَعَلَيْهَا جَاءَ قَوْلُهُ: {وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ}، قُرِئَ بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْنَاهُ أَدْنَى مَكَانٍ مِنَ الشَّيْءِ.
وَمِنْهُ الدُّونُ لِلْحَقِيرِ وَيُسْتَعْمَلُ لِلتَّفَاوُتِ فِي الْحَالِ نَحْوُ زَيْدٌ دُونَ عَمْرٍو أَيْ فِي الشَّرَفِ وَالْعِلْمِ وَاتُّسِعَ فِيهِ فَاسْتُعْمِلَ فِي تَجَاوُزِ حَدٍّ إِلَى حَدٍّ نَحْوَ قَوْلِهِ تعالى: {أولياء من دون المؤمنين} أَيْ لَا يَتَجَاوَزُونَ وِلَايَةَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى وِلَايَةِ الْكَافِرِينَ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ دُونَ فِعْلٌ يُقَالُ دَانَ يَدُونُ دَوْنًا وَأُدِينَ إِدَانَةً وَالْمَعْنَى عَلَى الْحَقَارَةِ وَالتَّقْرِيبِ وَهَذَا دُونَ ذَلِكَ أَيْ قَرِيبٌ مِنْهُ وَدَوَّنَ الْكُتُبَ إِذَا جَمَعَهَا لِأَنَّ جَمْعَ الْأَشْيَاءِ إِدْنَاءُ بَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ وَتَقْلِيلُ الْمَسَافَةِ بَيْنَهَا وَدُونَكَ هَذَا أَصْلُهُ خُذْهُ مِنْ دونك أي من أدنى منك فاختصر.

.(ذُو) وَ(ذَاتُ):

بِمَعْنَى صَاحِبٍ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {ذو العرش المجيد}، وقوله: {ذواتا أفنان} وَلَا يُسْتَعْمَلُ إِلَّا مُضَافًا وَلَا يُضَافُ إِلَى صِفَةٍ وَلَا إِلَى ضَمِيرٍ.
وَإِنَّمَا وُضِعَتْ وُصْلَةً إِلَى وَصْفِ الْأَشْخَاصِ بِالْأَجْنَاسِ كَمَا أَنَّ الَّذِي وُضِعَتْ وُصْلَةً إِلَى وَصْلِ الْمَعَارِفِ بِالْجُمَلِ وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَصْفَ إِنَّمَا يُرَادُ بِهِ التَّوْضِيحُ وَالتَّخْصِيصُ وَالْأَجْنَاسُ أَعَمُّ مِنَ الْأَشْخَاصِ فَلَا يُتَصَوَّرُ تَخْصِيصُهَا لَهَا فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ مَرَرْتُ بِرَجُلِ عِلْمٍ أَوْ مَالٍ أَوْ فَضْلٍ وَنَحْوِهِ لَمْ يُعْقَلْ مَا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الْمُبَالَغَةُ فَإِذَا قُلْتَ بِذِي عِلْمٍ صَحَّ الْوَصْفُ وَأَفَادَ التَّخْصِيصَ وَلِذَلِكَ كَانَتِ الصِّفَةُ تَابِعَةً لِلْمَوْصُوفِ فِي إِعْرَابِهِ وَمَعْنَاهُ.
وَأَمَّا قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ {وَفَوْقَ كُلِّ ذي عالم عليم} فَقِيلَ الْعَالِمُ هُنَا مَصْدَرٌ كَالصَّالِحِ وَالْبَاطِلِ وَكَأَنَّهُ قال {وفوق كل ذي علم} فالقراءتان في المعنى سواء.
وقيل: (ذي) زائدة.
وقيل: من إضافة المسمى إلا الِاسْمِ أَيْ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي شَخْصٍ يُسَمَّى عَالِمًا أَوْ يُقَالُ لَهُ عَالِمٌ عَلِيمٌ.
وَلَا يُضَافُ إِلَى ضَمِيرِ الْأَشْخَاصِ وَلِهَذَا لَحَنُوا قَوْلَ بَعْضِهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَذَوِيهِ.
وَاخْتَلَفُوا هَلْ تُضَافُ ذُو إِلَى ضَمِيرِ الْأَجْنَاسِ فَمَنَعَهُ الْأَكْثَرُونَ وَالظَّاهِرُ الْجَوَازُ لِأَنَّ ضَمِيرَ الْجِنْسِ هو الجنس في المعنى.
وَعَنِ ابْنِ بَرِّيٍّ أَنَّهَا تُضَافُ إِلَى مَا يُضَافُ إِلَيْهِ صَاحِبٌ لِأَنَّهَا رَدِيفَتُهُ وَأَنَّهُ لَا يُمْتَنَعُ إِضَافَتُهَا لِلضَّمِيرِ إِلَّا إِذَا كَانَتْ وُصْلَةً وَإِلَّا فَلَا يُمْتَنَعُ.
وَقَالَ الْمُطَرِّزِيُّ فِي الْمُغْرِبِ ذُو بِمَعْنَى الصَّاحِبِ تَقْتَضِي شَيْئَيْنِ مَوْصُوفًا وَمُضَافًا إِلَيْهِ تَقُولُ جَاءَنِي رَجُلٌ ذُو مَالٍ بِالْوَاوِ في الرفع وبالألف في النصب بالياء فِي الْجَرِّ وَمِنْهُ ذُو بَطْنٍ خَارِجَةٍ أَيْ جَنِينِهَا وَأَلْقَتِ الدَّجَاجَةُ ذَا بَطْنِهَا أَيْ بَاضَتْ أَوْ سَلَحَتْ وَتَقُولُ لِلْمُؤَنَّثِ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَالٍ وَلِلْبِنْتَيْنِ ذَوَاتَا مَالٍ وَلِلْجَمَاعَةِ ذَوَاتُ مَالٍ.
قَالَ: هَذَا أَصْلُ الْكَلِمَةِ ثُمَّ اقْتَطَعُوا عَنْهَا مُقْتَضَاهَا وَأَجْرَوْهَا مَجْرَى الْأَسْمَاءِ التَّامَّةِ الْمُسْتَقِلَّةِ غَيْرِ الْمُقْتَضِيَةِ لِمَا سِوَاهَا فَقَالُوا ذَاتٌ مُتَمَيِّزَةٌ وَذَاتٌ قَدِيمَةٌ وَمُحْدَثَةٌ وَنَسَبُوا إِلَيْهَا كَمَا هِيَ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ عَلَامَةَ التَّأْنِيثِ فَقَالُوا الصِّفَاتُ الذَّاتِيَّةُ وَاسْتَعْمَلُوهَا اسْتِعْمَالَ النَّفْسِ وَالشَّيْءِ.
وَعَنِ أَبِي سَعِيدٍ يَعْنِي السِّيرَافِيَّ كُلُّ شَيْءٍ ذَاتٌ وَكُلُّ ذَاتٍ شَيْءٌ.
وَحَكَى صَاحِبُ التَّكْمِلَةِ قَوْلَ الْعَرَبِ جَعَلَ مَا بَيْنَنَا فِي ذَاتِهِ وَعَلَيْهِ قَوْلُ أَبِي تَمَّامٍ:
يقول فيسمع ويمشى فيسرع ** ويضرب في ذات الإله فيوجع

فال شَيْخُنَا يَعْنِي الزَّمَخْشَرِيَّ إِنْ صَحَّ هَذَا فَالْكَلِمَةُ عَرَبِيَّةٌ وَقَدِ اسْتَمَرَّ الْمُتَكَلِّمُونَ فِي اسْتِعْمَالِهَا وَأَمَّا قوله: {عليم بذات الصدور} وَقَوْلِهِ فُلَانٌ قَلِيلُ ذَاتِ الْيَدِ فَمِنَ الْأَوَّلِ وَالْمَعْنَى الْإِقْلَالُ لِمُصَاحَبَةِ الْيَدِ وَقَوْلُهُمْ أَصْلَحَ اللَّهُ ذَاتَ بَيْنِهِ وَذُو الْيَدِ أَحَقُّ انْتَهَى.
وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَالْإِضَافَةُ لِـ: (ذِي) أَشْرَفُ مِنَ الْإِضَافَةِ لِصَاحِبٍ لِأَنَّ قَوْلَكَ ذُو يُضَافُ إِلَى التَّابِعِ وَصَاحِبٌ يُضَافُ إِلَى الْمَتْبُوعِ تَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ صَاحِبُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا تَقُولُ النَّبِيُّ صَاحِبُ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا عَلَى جِهَةٍ مَا وَأَمَّا ذُو فَإِنَّكَ تَقُولُ فِيهَا ذُو الْمَالِ وَذُو الْعَرْشِ فَتَجِدُ الِاسْمَ الْأَوَّلَ مَتْبُوعًا غَيْرَ تَابِعٍ وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ أَقْيَالُ حِمْيَرَ بِالْأَذْوَاءِ نَحْوَ قَوْلِهِمْ ذُو جَدَنَ ذو يزن في الْإِسْلَامِ أَيْضًا ذُو الْعَيْنِ وَذُو الشَّهَادَتَيْنِ وَذُو السِّمَاكَيْنِ وَذُو الْيَدَيْنِ هَذَا كُلُّهُ تَفْخِيمٌ لِلشَّيْءِ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي لَفْظَةِ صَاحِبٍ وَبُنِيَ عَلَى هَذَا الْفَرْقِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ فِي سُورَةِ الأنبياء: {وذا النون} فَأَضَافَهُ إِلَى النُّونِ وَهُوَ الْحُوتُ وَقَالَ فِي سُورَةِ الْقَلَمِ: {وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الحوت} قَالَ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ لَكِنْ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ تَفَاوُتٌ كَبِيرٌ فِي حُسْنِ الْإِشَارَةِ إِلَى الْحَالَتَيْنِ وَتَنْزِيلِ الكلام في الموضعين فإنه ذكر في موضع الثناء عليه ذو النُّونِ وَلَمْ يَقُلْ صَاحِبُ النُّونِ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ بـ: (ذي) أَشْرَفُ مِنْ صَاحِبٍ وَلَفْظُ النُّونِ أَشْرَفُ مِنَ الْحُوتِ لِوُجُودِ هَذَا الِاسْمِ فِي حُرُوفِ الْهِجَاءِ أَوَائِلَ السُّوَرِ وَلَيْسَ فِي اللَّفْظِ الْآخَرِ مَا يُشَرِّفُهُ لِذَلِكَ فَالْتَفِتْ إِلَى تَنْزِيلِ الْكَلَامِ فِي الْآيَتَيْنِ يَلُحْ لَكَ مَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ فِي هَذَا الْغَرَضِ فَإِنَّ التَّدَبُّرَ لِإِعْجَازِ الْقُرْآنِ وَاجِبٌ مفترض.
وقوله تعالى: {وأصلحوا ذات بينكم} أَيِ الْحَالَ بَيْنَكُمْ وَأَزِيلُوا الْمُشَاجَرَةَ وَتَكُونُ لِلْإِرَادَةِ والنية كقوله: {والله عليم بذات الصدور} أي السرائر.